Text/HTML
Minimize
روسيا وأمريكا: القوة الصلبة والقوة الناعمة
 
 
إسلامنا – دراسات - طلعت رميح
 
 
منذ انتهاء الحرب الباردة مع انتهاء الاتحاد السوفيتي، والولايات المتحدة هي من يستخدم القوة الصلبة في تحقيق أهدافها العدوانية تجاه الدول الأخرى, بينما كانت روسيا مكتفية باستخدام القوة الصلبة داخل أراضيها خاصة ضد جمهورية الشيشان دون أن تخرج قوتها خارج حدودها , حتى جاءت أحداث جورجيا , لتتبادل روسيا والولايات المتحدة الأدوار،  إذ تدخلت روسيا عسكريا لتفرض مصالحها بالقوة العسكرية, بينما وقفت الولايات المتحدة عند حد استخدام أساليب وأدوات القوة الناعمة, إلى درجة أن باتت تبرر هذا الخيار، حيث أعلن مسئولين منها أنهم نصحوا جورجيا بعدم الدخول في مواجهة عسكرية مع روسيا،  لأنها ستكون في صالح روسيا، وهو ما يعنى أنهم ابلغوا جورجيا بعدم قدرتهم على التدخل العسكري، أو تقديم الدعم العسكري في مثل تلك المعركة، كما الولايات المتحدة ما تزال تراوح مكانها في التعامل مع روسيا، بإعلانات تتحدث ولا تفعل شيئًا؛ إذ هي ما تزال عند حدود التهديد بإعادة النظر في العلاقات مع روسيا، وبالوقوف ضد انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية.. الخ.
وفى خروج القوات الروسية إلى خارج الحدود، والاعتداء على جارة لها , تبدأ روسيا هي الأخرى في تحقيق مصالحها العدوانية باستخدام القوة الصلبة، وفق ذات المبررات التي كانت تعتمدها الولايات المتحدة والغرب في الاعتداء على الدول الأخرى.
 لقد جاء استخدام القوات المسلحة الروسية ضد جورجيا،  وفق تبريرات تتعلق بأوضاع داخليه في هذا البلد (غزو القوات الجورجية لأحد أقاليمها الداخلية) بما يذكر بتبريرات العدوان الامريكى على العراق وأفغانستان لأسباب داخلية، إذ بررت الولايات المتحدة غزوها لأفغانستان بعد تسليم طالبان لبن لادن، كما بررت غزوها للعراق بتصرفات صدام ضد الأكراد والشيعة وبسعيها لتحقيق الديموقرطية داخل العراق. وهو ما يعني أننا أمام شيوع تبريرات استخدام القوة المسلحة من دولة ضد أخرى، بسبب أحداث داخلية في الدولة المعتدى عليها – من قِبل أمريكا وروسيا – كما يعنى التوسع في ظاهره تحقيق الدول الكبرى لنفوذها بالاعتداء العسكري على الدول الأضعف.
لكن الأمر يطرح زاوية أخرى هامة، تتعلق بالفارق بين استخدام القوة الصلبة في الصراعات، من جهة، واستخدام وسائل القوة الناعمة من جهة أخرى، في ضوء تبادل الأدوار بين الولايات المتحدة وروسيا.
 
الغزو والاحتلال والقتل والتدمير، يجري بالقوة الصلبة، هكذا الأمر واضح، لكن من قال إن القوة الصلبة هي وحدها من تقتل وتدمر، إنما هو مخطئ في التقدير حيث الغزو والاحتلال والقتل والتدمير يجري وبذات نتائجه، باستخدام القوة الناعمة، حتى يمكن القول أن من تصور يومًا أن القوة الصلبة وحدها هي التي تقتل وتدمر وتبيد وتحتل، ولم يفهم "أن الفتنة اشد من القتل" مات بالقوة الناعمة وبالفتنة ،وهو يصرخ مندهشا مما يجرى له.
وتلك هي اخطر مشكلات الوضع العربي.. السياسي والثقافي والإعلامي، على صعيد النخب والجهود معًا؛ إذا جاز الوصف.
والقوة الصلبة ،هي استخدام للقوة العسكرية والأمنية (السلاح) في الفعل المباشر من دولة ضد دولة أخرى ومن جيش ضد آخر، وفى ذلك يقال إن الحرب هي امتداد للسياسة بوسائل الإكراه والقتل والتدمير، وان السياسة الخارجية هي امتداد للسياسة الداخلية.
أما القوة الناعمة، فهي مجموع الوسائل السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والقانونية والإعلامية ،التي تستخدمها الدول ضد بعضها البعض لفرض إرادتها على بعضها البعض. أي لتحقيق سياستها الخارجية التي هي امتداد للسياسة الداخلية أيضا .
 
وهنا يطرح سؤال:
 
وهل تقتل القوة الناعمة كما تقتل القوة الصلبة ؟
 
الفهم السائد ،أو دعونا نقول :الفهم الذي يروج له ،هو أن القوة الناعمة لا تقتل .
لكن .. القوة الناعمة هي أيضا تقتل ،بل في بعض الأحيان تكون اخطر من القوة الصلبة، على صعيد القتل والنتائج السياسية والاقتصادية، وعلى صعيد عدم القدرة على مواجهتها، حيث مفاعيلها أكثر خبثا ودهاءا ،واشد وطأة.
لكن لنر أولاً نماذج من استخدام القوة الصلبة، وأخرى من القوة الناعمة؛ لنوضح الفارق بين الاثنين. في الصراع الروسي الجورجى كان الأمر واضحا من كلا الطرفين إذ استخدمت جورجيا قوتها المسلحة ضد اوسيتيا الجنوبية،  فقامت روسيا باستخدام قوتها المسلحة ضد جورجيا , ليس بهدف رد العدوان فقط إنما لإجهاض قوة الجيش الجورجى .
وكذا الأمر كان واضحًا في تجربة العراق، إذ جرى استخدام القوة الصلبة حلال حربين في عامي 1991 و2003 . كانت القوات المسلحة الأمريكية (والبريطانية.. الخ)، خلالهما هي من يقتل ويهاجم ويدمر.
ولكن الأمر مختلف في حالة السودان، التي في فهمها نجد أنفسنا أمام تجربة واضحة لاستخدام القوة الناعمة، إذ جرى استخدام وسائل القوة الناعمة في تمرير المخططات الأمريكية والغربية، دون استخدام للقوة العسكرية من أي جيش غربي، حتى وصلنا إلى حالة إصدار مذكرة باعتقال الرئيس السوداني.
وفى موضوع الصراع العربي الاسلامى ضد الصهاينة في فلسطين، جرى استخدام القوة الصلبة بصفة مستمرة منذ بداية الصراع وحتى الآن في صورة الاعتداءات العسكرية والمذابح والاغتيالات ،كما جرى استخدام أساليب القوة الناعمة من مفاوضات وأساليب دبلوماسية وحصار اقتصادي ..وغيرها .
وهنا تطرح الحالة الفلسطينية تساؤلاً هامًا هو: هل تستخدم القوة الصلبة دون مفاعيل القوة الناعمة، والعكس بالعكس، أم أن كل وسيلة من تلك الوسائل تستخدم بمعزل عن وسائل الأخرى؟.
واقع الحال، أنه ليس هناك "فصل تعسفي" بين استخدام القوة الصلبة والقوة الناعمة ،إذ كل استخدام للقوة الصلبة تضمن دومًا استخداما لوسائل القوة الناعمة، كما أن كل استخدام للقوة الناعمة ،استند إلى التهديد باستخدام القوة العسكرية الصلبة أيضًا، كما هو يشهد أنماطا من استخدام القوة العسكرية لكن ليس من البلد المعتدى، وإنما من خلال أطراف غير مباشرة الارتباط بالبلد المعتدي.
كان العدوان على العراق وأفغانستان –وكذا الحال في العدوان الاثيوبى على الصومال – هي النماذج المعاصرة لاستخدام القوة الصلبة ،إذ استخدمت القوات المسلحة الأمريكية والبريطانية والأثيوبية في تحقيق هدف العدوان من احتلال الأرض وإطاحة السلطة السياسية. وكذا الحال في النموذج الجورجى.
لكن استخدام القوة الصلبة في كل تلك الحالات، لم يجر أبدًا دون مفاعيل القوة الناعمة أيضا .
فخلال العدوان على العراق وعبر كل مراحله جرى استخدام كل الضغوط السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والمخابراتية كما هو الحال في استخدام الأمم المتحدة، للتضييق والخنق والحصار للعراق وللدول العربية المؤيدة للعراق ،كما جرى استخدام سلاح القروض والأموال مع دول أخرى ،وذلك كله خلال استخدام القوة الصلبة .
وفى المقابل وفى نموذج استخدام القوة الناعمة ،فان السودان الذي يتربع على نموذجها ، والذي يجرى ضده العدوان منذ سنوات وحتى الآن، قد شهد استخدام وسائل القوة الناعمة ،من خلال الضغوط السياسية والدبلوماسية والأمم المتحدة والحصار السياسي والديبلوماسى والاقتصادي –حتى وصل إلى منع رئاسة رئيس السودان للقمة الأفريقية-كأساس لتطويع إرادة السودان والحكم القائم فيه ،لكن ذلك لم يعن ولا يعن أن أساليب القوة الصلبة لم تستخدم، بل الصحيح أنها استخدمت بشكل غير مباشر ، أو عن طريق وسائل الفتن والحروب والتمردات الداخلية، التي تصل نتائجها على مستوى القتل إلى ما قد لا تصل إليه بعض الحروب المباشرة او باستخدام القوة الصلبة .
وكذلك يمكن القول بان استخدام القوة الناعمة ياتى في اغلب الأحيان مرتبطا بالتهديد بالحرب، لإجبار الخصم على التجاوب مع ما يعرض عليه باستخدام وسائل الحرب بالقوة الناعمة .
لكن لم نقل ، أن القوة الناعمة على نفس درجة خطورة القوة الصلبة، وان كانت الابطأ ،بل لم نصل حد القول، إن القوة الناعمة ربما تكون الأخطر في نتائجها ؟
 لنأخذ نموذج السودان الذي شهد استخدام القوة الناعمة بأعلى درجات من الاستخدام. لقد جرى قصف الخرطوم عقب عمليتي تفجير سفارتي الولايات المتحدة في أفريقيا، إذ أغارت الطائرات الأمريكية على مصنع الشفاء وقت حكم الرئيس الامريكى بيل كلينتون،  وكانت تلك إشارة تخويفية بان الولايات المتحدة جاهزة لاستخدام القوة الصلبة على نطاق واسع، أو كان ذلك إشارة واضحة إلى أن الولايات المتحدة يمكن لها ممارسة فعل القوة الصلبة .
ولكن وبعد مجيء الرئيس بوش للحكم ،وضمن خطة الاستيلاء على منابع النفط في العالم ،جرت عملية ضغط وخنق لنظام حكم الإنقاذ في السودان، سواء عن طريق منع السودان من الحصول على قروض من البنك الدولي أو من خلال فرض الحصار على الصادرات والواردات السودانية. كما جرى قطع العلاقات الدبلوماسية مع السودانية – وهى بالمناسبة لم تجر إعادتها حتى الآن رغم وجود ممثل ديبلوماسى هو البرتوا فريناند – وكذا جرى تحريك مجلس الأمن ضد السودان لتصدر عشرات القرارات خلال 10 سنوات. وخلال ذلك وصل الأمر حد التهديد بالاعتداء على السودان صراحة، وفي ذلك كان اللافت أن هذا التهديد لم يصدر فقط من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا؛ إذ شهد تهديد السودان سابقة هي الأولى من نوعها، حيث كان أول من هدد باستخدام القوة الصلبة هو الاتحاد الأوروبي عبر القوة الأوروبية الوليدة التي كانت وقتها قد تشكلت بالكاد، والتي من بعد كان أول نشر لها قرب حدود دارفور في تشاد حاليًا.
وفى ظل تلك الضغوط من وسائل القوة الناعمة ،جرى توقيع اتفاق مع المتمردين في الجنوب برعاية من الدول التي استخدمت القوة الناعمة –أمريكا وبريطانيا خاصة-اقر فيه حق الجنوب في الانفصال، بما مثل تطورًا يحدث لأول مرة على مدار الحرب التي بدأت في عام 1955 .
وهكذا وقع الاتفاق النهائي عام 2003 ، ليحقق أخطر مفاعيل القوة الناعمة, لكنه في ذات الوقت كان هو ما فتح الطريق أمام الفتنة لتقوم بدورها الأوسع، إذ اندلع تمرد دارفور ،الذي حول صراعا على المرعى إلى صراع بسبب العنصر والأصل، ثم جرى تصوير ما يجري على أنه حرب إبادة وتطهير عرقي ،ثم تتالت مفاعيل القوة الناعمة ليطلب محاكمة مسئولين سودانيين أمام المحكمة الجنائية الدولية ووصل الأمر إلى إصدار مذكرة باعتقال رئيس الدولة ومحاكمته .
وهكذا بالقوة الصلبة احتل العراق واعدم رئيسه ويجرى تفكيكه .
وهكذا بالقوة الناعمة جرى إشعال الفتن وتفكيك السودان ..وطلب اعتقال رئيسه ومحاكمته.
وفي كلا الحالتين جرت عمليات القتل والحرق والإبادة.
عند نزول قوات الاحتلال لأرض أي بلد – أيًا كانت الدعايات المضللة والكاذبة – سرعان ما تكتشف الألاعيب، وتتولد طاقة مقاومة تجابه العدوان.
لكن مفاعيل القوة الناعمة تجري، دون نزول قوة احتلال بشكل مباشر على أرض البلد، وفي ذلك يسهل استمرار الخداع ,لارتباطه بالقوانين الدولية التي هي جائرة وظالمة، لكنها تحقق الظلم وفق حالة من الشرعية،  ولكونه يجرى بالطرق الدبلوماسية المعتمدة على الدهاء وبالطرق الإعلامية وبالأعمال التحتية من خلال ألاعيب تظهر نتائجها ولا يعرف من يقوم بها.
 
لكن السؤال الأهم هو :
 
لم ننخدع ؟ لم لا نملك مناعة حقيقية في مواجهة خطط الأعداء والخصوم في ألاعيب القوة الناعمة؟ لم حين يستخدم المعتدى خطة القوة الصلبة نجد من يسمع للدعايات المضللة ويرددها، ولم ينخدع البعض من الكلام المنمق الذي يثير خلال مفاعيل القوة الناعمة الفتنة رغم الإدراك بأن الفتنة أشد من القتل؟.
لم لا نملك مناعة حقيقية في مواجهة خطط الأعداء أيا كانت ؟
 
هنا، يبدو أن :
 
الأمر ناتج عن عدم الارتباط بهوية حضارية (عقائدية وفكرية وسياسية ونفسية وثقافية)، تفصل بيننا وخصومنا، تولد في عقولنا مناعة من الأصل، تجعلنا نرفض ما يقال ويدعى تبريرا لأفعالهم واعتداءاتهم ،وتمكننا من كشف من يردد أفكارهم من داخلنا.
وأننا لم ندرك بعد، إن الاستقلال الحضاري هو الأصل وليس الاستقلال السياسي أو الاقتصادي أو العسكري؛ إذ كل أشكال الاستقلال لا تحقق المنعة إلا في إطار الاستقلال الحضاري .
الاستقلال في الأصل هو الاستقلال الحضاري.. فهو المنعة من الانخداع في أباطيل الخصوم والأعداء، وهو أساس البناء المستقل. بناء الأمة هو بناء حضاري وليس مجرد تشييد مدارس أو مصانع أو طرد المحتلين من الاراضى.
وكل بناء لا يستند إلى الاستقلال الحضاري ،جاهز للانهيار تحت ضربات القوة الصلبة، للتفكيك تحت ضغوط مفاعيل وخداع القوة الناعمة .
الاستقلال الحضاري .. هو الأصل في البناء .. للإنسان لا للأشياء المادية .
وحينها لا القوة الصلبة .. ولا القوة الناعمة , تمكن خصومنا من تحقيق أهدافهم .
لقد عادت روسيا بعد أمريكا لاستخدام القوة، أو أصبحنا أمام تبادل للأدوات وتبدل في الاستراتيجيات أو تكامل لها , بما يطرح السؤال: كيف نواجه نحن تلك الحالة؟، وهل من بديل أمامنا إلا تحصين الذات، من خلال مفهوم الاستقلال الحضاري؟.
 
 القائمة الرئيسية
Minimize
Register   |  Login