Text/HTML
Minimize
في "الحيل " وشرعنة المفاهيم
 
 
معالجات فكرية – إسلامنا – محمد العواودة
 
استخدام الحيل في شرعنة بعض الأفكار والممارسات المحظورة، قضية قديمة ومتجددة في الفكر البشري، ويعتبر اليهود فيما قصة القران الكريم من حكاية أحوالهم، أهل سبق وأصحاب مدرسة قائمة بذاتها في هذا الإطار، سيما الديني منه ، والحديث الصحيح الصريح الذي يكرسه قوله صلى الله عليه وسلم" لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود ، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل " - أسهلها -  له دلالة قوية في تحذير المسلمين من مماهاة اليهود أو الانسياق لخبيث فكرهم  ، فبالحيل قتل اليهود أنبيائهم ، وانقلبوا على شرائعهم ، موادعة لأهوائهم ، ونزواتهم ، وشهواتهم  .
في هذا السياق، يبرز اسم الإمام ابن قيم الجوزية ، كواحد من أهم علماء الإسلام الذين تصدوا لموضوع الحيل وممارستها في التشريع الإسلامي قديما، وسيجد الباحث مادة غزيرة كرسها ابن القيم لهذه الغاية في الكثير من كتبه، مثل: "إغاثة اللهفان "، الطرق الحكمية " ، " الصواعق المرسلة " ، " إعلام الموقعين " ، كشف بها فنون الاحتيال الذي قام به بعض الدخلاء على الفقه الإسلامي في عصره ، ومن شايعهم من الذين يحملون أجندات فلسفية أفلاطونية ، وبعض المتأثرين بالفكر اليهودي ، تذرعا  ببعض  أفعال أصحاب النبي عليه السلام  والسلف الصالح ، لتبرير هذه الحيل وشرعنتها إسلاميا تحت مظنة وجود " فاقة فقهية " عند المسلمين .
دعوى "الفاقة الفقهية " التي كانت مرتكزا " للعقل ألمحتال " في العصر الوسيط ، تتمدد اليوم في العصر الحديث، لتأخذ بعدا  أوسع واشمل تحت أسم " الفاقة الفكرية الإسلامية " ،  لنجد دخلاء  ومحتالين آخرين يحاولون تمرير  احتيالاتهم الفكرية في الوعي العربي الإسلامي ، تحت طائلة " حلحة تربة الموروث الفكري العربي وإحيائها بنبت الحداثة الغربية ، الحداثة التي أصل لها في الغرب فلاسفة اليهود الثلاثة ، دارون ، دركايم ، فرويد ، كجزيء من بروتوكولات حكماء بني صهيون ، بحسب ما يفيدنا العلامة محمد قطب .  
خلاصة الفكر الذي أقامه اليهود في بروتوكولاتهم، يقوم على إقصاء العقديات الماورائية كموجه سيكولوجي وقيمي للإنسان، وإحلال الفكر المادي كمنطلق سوسيولوجي بديل ، ليتقزم الدين بالشعائر، والأخلاق بالأعراف العامة المطلقة ، حيث جاءت هذه المداخلة الفكرية من محتالي حكماء اليهود ، في وقت انحرفت فيه الكنيسة عن المباديء الماورائية للدين المسيحي ، وأقام كهنتها أنفسهم وكلاء عن الله لتبرير استبدادهم الديني ، فكانت فكرة دارون – يهودي الأصل - التطورية بمثابة الشرارة الفكرية الأولى التي سارت  بسير البرق في الذهنية اللاشعورية للإنسان الغربي ، كمتنفس من الاستبداد الكنسي  ، ليفتح  الباب بعد دارون على مصراعية لتبني الفلسفة الغربية نظرياتها على الأسس الفلسفية التي أصل لها اليهود في ذلك الوعي ، ولكي تنبسط  في الوجدان الغربي العام كحقائق لانبعاث الحياة الراقية الحرة ، وصولا إلى العلمانية المعاصرة ،  بكل تفاصيلها الهدمية  ،التي تحط من قدر الدين ودوره في توجيه حياة الأفراد والمجتمعات والدول.
التلميع للعلمانية في العالم العربي والإسلامي بدأ كما هو معروف، بمحاولات حذرة  في نهاية القرن التاسع عشر ، بالتزامن مع الحملة الفرنسية على مصر ، وانفتاح محمد علي باشا على الغرب  ، ومطلع القرن المنصرم   بسياقات توافقية  نظّر لها محمد عبده  والأفغاني والكواكبي ، واتخذت طابعا انسحابيا استرجاعيا أحيانا كرسه فعليا الموقف الفكري لرشيد رضا ، ولكن التلميع للعلمانية بلغ ذروته بشكل صريح عند الحركة الوطنية المصرية بتلفيقياتها الاتصالية الجريئة المعروفة،وأخرى انفصالية  كالتي دعى إليها عميد الأدب العربي  طه حسين  وسلامة موسى وآخرون ، لينتهي العصر الحديث بتلميع احتيالي آخر للعلمانية ولكن بطرائق أخرى أكثر ذكاء من سابقاتها ، ليبرز في هذا الاتجاه : محمد أركون ، نصر حامد أبو زيد ، حسن حنفي ، عبد المجيد الشرفي ، محمد شحرور ...الخ  .
الاحتيال الفكري الذي يقوم  به هؤلاء الفلاسفة والمفكرون، لا يقوم تحت مسمى العلمانية، وهو التوصيف الذي بات ممجوجا في وعي الجماهير العربية والإسلامية، وإنما استبدلوه باسم " العقلانية " وهو المفهوم الأقرب لذلك الوعي، لأن فيها نواة تفكير إسلامي  دعى إليه القران أصالة ، لتبقى العلمانية دعوة باطنية ، وتقية عرفانية متحينة الظهور . مكمن الاحتيال في فكر هؤلاء يبرز في الاسم المشترك لكملة " العقلانية " وهو التوصيف الذي يجمع في منطقة اللاوعي معنى التطابق بين وصفين متباينين، أي "العقلانية المختزلة " وهي الوعاء الأوسع والاشمل لمعنى العلمانية، والعقلانية المسدّدة " وهي المعين الأغزر في الفكر الإسلامي، فالفرق واضح إذا بين العقلانية التي يروج لها هؤلاء ، وبين عقلانية الفكر الإسلامي .
العقلانية الإسلامية تسير بسير تداخلي يجمع بين أجزاء النظام الغيبي والدنيوي، بين العلم والعمل،  وبين العقل المجرب والنقل المصوب،  وبالتالي ليس ثمة ضرورة للمفاصلة فيها على أساس اجتزائي كما يصوره الفكر العلماني لأي دعوة كانت ، استبداد ديني ، استبداد سياسي ، استبداد اقتصادي ، عنف ، إرهاب ، تطرف ديني ، تكلس فكري ، جمود على الموروث ، حداثة ، شروط معاصرة ،...الخ  ، فكل هذه الإشكالات تصدى لها الدين الإسلامي وقدم لها الحلول جملة  بتكامل مسارات العمل الفكري العقلاني فيه ، والدعوة إلى عدم تشييئها ، لأن التشيييء سيقضي على مفهوم الحاكمية العقلانية متكاملة المسارات ، ثابتة الضوابط ، ظل الله الظليل في الأرض ، الذي رعى به مصالح العباد في المعاش والمعاد .
فللنظر مثلا إلى محمد أركون كيف يوظف المسار العقلاني الإنساني المذكور في القران لأنسنة النص ذاته، على أساس المفاصلة الانثروبولوجية، وأبو زيد يكرس التحليل الهرمونوطيقي والنقد اللاهوتي لتفسير النص الديني الإسلامي، وهذا الشرفي يكرسه في الفهم التاريخي ، وحسن خنفي للتحليل المادي الماركسي ....الخ ، وهو ما يكرس بجملته أن النص الديني لله والمعنى مطلقا للبشر بحسب الرؤية السوسيولوجية المتحررة من دلالة اللغة وبيانها ومفهوما ومنظومها .
العقلانية التي يحاول أن يشرعن لها بعض فلاسفتنا المحدثون  بدعوى "الفاقة الفكرية " هي محض احتيال فكري ، وتسخير لمباديء العلمانية الغربية ، وخدمة بروتوكولية للمشروع اليهودي ، ومحض تقليد ليس فيه من الإبداع شيء ، إلا ذاك التسول الفكري ، والدعاية المسمومة ، للحداثة المعطوبة ، الحداثة التي  تبيح بالأسباب المشروعة ، الأمور المحرمة الممنوعة .
 
Register   |  Login